جلال الدين السيوطي
13
الإتقان في علوم القرآن
مساجد اللّه ، ولا أحد من المفترين أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا ، وإذا تخصّص بالصّلات زال التناقض . ومنها : أن التخصيص بالنسبة إلى السّبق : لمّا لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممّن جاء بعدهم سالكا طريقهم ؛ وهذا يؤول معناه إلى ما قبله ؛ لأن المراد السبق إلى المانعيّة والافترائية . ومنها - وادّعى أبو حيان أنّه الصواب - : أن نفي الأظلميّة لا يستدعي نفي الظالمية ؛ لأن نفي المقيّد لا يدلّ على نفي المطلق ، وإذا لم يدلّ على نفي الظالمية لم يلزم التناقض ؛ لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة ، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممّن وصف بذلك يزيد على الآخر : لأنّهم يتساوون في الأظلميّة . وصار المعنى : لا أحد أظلم ممّن افترى وممّن منع ونحوها ، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ، ولا يدلّ على أنّ أحد هؤلاء أظلم من الآخر ، كما إذا قلت : لا أحد أفقه منهم . انتهى . وحاصل الجواب أنّ نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة . وقال بعض المتأخّرين : هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع ، من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ، ولا نفيها عن غيره . وقال الخطّابي « 1 » : سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج ، قال : سأل رجل بعض العلماء عن قوله : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) [ البلد : 1 ] فأخبر أنّه لا يقسم به . ثم أقسم به في قوله : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ( 3 ) [ التين : 3 ] ؟ فقال : أيّما أحبّ إليك ؟ أجيبك ثم أقطعك ، أو أقطعك ثم أجيبك ؟ فقال : اقطعني ثم أجبني . فقال له : اعلم أنّ هذا القرآن نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحضرة رجال ، وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا ، لو كان هذا عندهم مناقضة لتعلّقوا به ، وأسرعوا بالرّدّ عليه ؛ ولكنّ القوم علموا وجهلت ، ولم ينكروا منه ما أنكرت ، ثم قال له : إنّ العرب قد تدخل ( لا ) في أثناء كلامها وتلغي معناها ، وأنشد فيه أبياتا . تنبيه : قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني « 2 » : إذا تعارضت الآي وتعذّر فيها الترتيب والجمع ، طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخّر ، ويكون ذلك نسخا . وإن لم يعلم ، وكان
--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 46 . ( 2 ) نقله في البرهان 2 / 48 .